التسجيلالرئيسيةدخول

شاطر | 
 

 قصة بأجزاء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زيتونة فلسطين
جبهاوي نشيط


انثى عدد الرسائل : 149
العمر : 28
الدولة : فلسطين الحبيبة
Personalized field :
تاريخ التسجيل : 16/12/2007

مُساهمةموضوع: قصة بأجزاء   2008-01-05, 09:58

كعادتها كل صباح .. تشرق الشمس لتداعب وجنتي متسللة عبر نافذتي المغلقة و ستائري المصنوعة من قماش الشيفون

منذ ما يقارب الثلاث سنوات لم تخلف موعدها .. و ظلت تزورني لتؤنس وحدتي الصباحية .. و تذكرني بأن الحياة لا تزال مستمرة خارج حدود غرفتي المغلقة

على غير العادة هناك ضجة كبيرة في الغرف المجاورة .. ترى ما السبب ؟؟!

آه لقد نسيت بأن الصيف قد أتى و بدأت عطلة الأطفال الصيفية و بت أسمع أصواتهم في الصباح و المساء يملئون المنزل بالضحكات و الأصوات الفرحة

... "هل تحبين زهر الليمون؟؟ " .. كيف لي أن أقول لا .. أنا لم أحب يوما زهر الليمون .. و لكن هذه الابتسامة المشعة ترغمني على الابتسام و الإيماء برأسي بنعومة و رقة ، أضاف القليل إلى فنجان السحلب و قدمه لي دون أن تبارح تلك الابتسامة شفاهه الرائعة ، متى سأتمكن من التعبير عن حبي لهذا الشخص ..


"أمي عزيزتي .. ألم تستيقظي حتى الآن .. " هذا صوت ابنتي سمية ..
- أنا مستيقظة عزيزتي و لكن يبدو أني سرحت قليلا
- خير إن شاء الله .. ما الذي يشغل بالك
- لا شيء حقيقة .. إنها مجرد ذكريات تأتي و تذهب لتواسيني
- هل هناك من خطب .. أتشعرين بأي ألم ..
- لا أيتها القلقة .. ليس هناك أي شيء .. كل القضية أني أحن إلى الأيام الخوالي
- أجل .. أجل .. لا بد أنها ذكرياتك مع أبي .. أخبريني هل كنتما عاشقين
ماذا بوسعي أن أخبرها .. أيتها المسكينة .. ترى ماذا ستكون ردت فعلك حين تعلمين الحقيقة .. والدك و أنا لم نكن يوما عاشقين أو حتى حبيبين .. لقد كنا مثالا حيا للحياة الروتينية المملة القاتلة
- لا تحرجيني أيتها الخبيثة .. ماذا كنت تريدين
- دوما تتهربين من الإجابة .. لقد جلبت لك الإفطار و كأس الحليب الطازج
- أشكرك عزيزتي أكاد أموت جوعا
- بالهناء و الشفاء .. سأعود بعد قليل و أتمنى أن لا أجد شيئا من هذا الطعام
كالعادة .. أرسم لها ابتسامة هادئة تطمئنها .. رغم إيقانها و علمها بمدى كذبي حين أرسم هذه الابتسامة و أنني بالكاد سأكل قطعة خبز و بعض الجبن و لكنها على الأقل ترد على ابتسامتي بابتسامة أكثر إشراقا و تدعني بسلام
قاربت الساعة الثانية عشر ظهرا .. يبدو أن الأطفال ليسوا في المنزل .. فالهدوء يعم المكان .. حاولت جاهدة أن أغادر سريري .. فقد مللت من هذا الرقاد .. و هذا الإعياء .. ولكن المشكلة أني سأواجه الكثير من الاعتراضات إن خطوت خطوة واحدة خارج غرفتي ..

فعلا كما توقعت بمجرد أن رأتني سمية أقف على قدمي أتت مسرعة الخطى تريد أن تصنع من نفسها عكازا لمساندة خطواتي المتعثرة .. كم هي طيبة .. إنها الوحيدة من بين أبنائي التي تكترث حقا لأمري .. و تخشى أن يصيبني مكروه
- لماذا غادرتي سريرك ؟؟ أتحتاجين لشيء ما ؟؟ لماذا لما تنادني أو تقرعي الجرس .. أرجوك لا تقولي بأنك ناديتني و لم أجبك .. صدقيني لم أسمع .. لقد كنت ..
- اصمتي رجاءا .. لقد مللت و أود أن أتمشى قليلا .. ألا يحق لي أن أغدر تلك الزنزانة المرفهة ..
- أمي .. ما الذي تقولينه .. ألا تعجبك غرفتك
- إنها رائعة و لكني مللت منها .. مللت من الصمت و الهدوء
- و لكنها أوامر الطبيب
- أنا المريضة و أنا أعلم ما الذي يريحني .. هذا الهدوء لا يعجبني ..
- حسنا كما تشائين و لكن أرجوك أن تجلسي على الأريكة
- أين أبناؤك ..؟
- إنهم في الحديقة ..
- حسنا سأذهب إليهم ..
- و لكن ..
- بدون لكن الجو ليس باردا و لا حارا .. لا زلنا في أوائل الصيف .. كما أني اشتقت إليهم و لضجتهم

هذه المرة قررت أن أكون أنا سيدة الموقف .. أن أدعها في حيرتها .. و خوفها .. رغم أني أشفق عليها من كل هذا .. و أن أنزل إلى الحديقة لأشعر بأني لا زلت على قيد الحياة


.... " أنت فاتنة .. حتى في أبسط مظاهرك تفتكين بي " منذ أيام و حال أبو الهول ليست كما هو معتاد ..

أبو الهول هو حبيبي السري .. لقد اضطررت أن ألقبه بهذا الاسم لأني أشعر بأنه لن ينطق أبدا .. و لكنه في هذه الأيام تغير جدا .. لقد بدأ يغازلني و يدللني .. و أنا في حيرة من أمري .. و أعامله بشكل طبيعي و كأن شيئا لم يتغير ربما لأنني لا أعرف ماذا علي أن أفعل

مشاعري اتجاه هذه الشاب .. نشأت منذ فترة طويلة .. حتى أني لا أعلم متى تماما بدأت أعشقه إلى هذا الحد .. بالرغم من جميع الخلافات الاجتماعية بيننا .. بالرغم من علمي المسبق بأني لا أمثل أيا من أحلامه .. فقد صنعت منه حلمي المستحيل .. و أملي الوحيد في هذه الحياة..كل هذا و هو لا يعلم أني لم أعد أستطيع العيش دونه
علاقتنا بدأت منذ فترة لا بأس بها .. فعليا لقد أصبحنا أكثر تعلقا ببعضنا من مجرد إخوة أو أصدقاء .. و كأننا نسختان جسديتان لذات الروح .. إلا أن فكرت الحب و الارتباط لم تطرح بيننا بل و لم تكن لتخطر على بال أحدنا.

داعبته قائلة .. " منذ متى تتقن فن الغزل و التحدث إلى الفتيات .. يبدو أنك مستمتع بدور الشاب المراهق .."
- صدقيني لم أتعلم هذا الكلام و أنا لا أهواه كما تعلمين .. و لكن لا بد لمن يعرفك أن يقول أكثر من هذا
- هههههه و هل استطعت أن أثير مشاعرك بهذه الطريقة
- ستعلمين قريبا .. ما صنعت .. أما الآن علي الذهاب للحاق بمحاضراتي
كعادته .. يذهب بغموض .. كما أسرني بغموض .. يودعني بابتسامته الرائعة ..و لكن هذه المرة .. أضاف غمزة مشاكسة و ذهب




يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زيتونة فلسطين
جبهاوي نشيط


انثى عدد الرسائل : 149
العمر : 28
الدولة : فلسطين الحبيبة
Personalized field :
تاريخ التسجيل : 16/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصة بأجزاء   2008-01-05, 09:59

هل عدت إلى سرحانك يا حجة " .. محمود .. زوج ابنتي سمية .. إنه الولد الذي لم أنجبه .. رجل شهم و كريم .. خفيف الظل .. منفرج الأسارير على الدوام ..
هذا الرجل أحرجني بمدى طيبته و حبه لابنتي و لي من بعدها .. لقد طالب بأن أسكن في منزله منذ بدأ الهرم و المرض يتآكلاني .. الأمر الذي لم يقدم عليه ابني من لحمي و دمي

- محمود .. ألا تستطيع إلا أن تباغتني
- خالتي العزيزة .. أنا أجلس هنا منذ خمس دقائق أو أكثر .. ألقيت عليك التحية و لكنك لم تكوني هنا
- معك حق .. لقد بدأت الذكريات تسرقني من الواقع
- المهم أن تكون ذكريات سعيدة
- .......
- لا تجيبي أن متأكدة أنها سعيدة .. فعيناك تلمعان كيوم تزوجت سمية .. و يوم أنجبنا طفلتنا البكر و من بعدها التوأمان المشاغبان .. يبدو أن ذكرياتك مليئة بالحب
- أنت شقي جدا يا محمود
- ربما و لكن ألا يحق لي
- بل يحق لك ما لا يحق لغيرك
- إذن فقصي علي بعضا من ذكرياتك .. أرجوك خالتي ..
- يوما ما .. ستجدني كتابا بين يديك .. بكل الذكريات .. و كل ما كان من طموح و أحلام
- إذن أرجوك استعجلي قبل أن أضطر لاستخدام نظارات أكثر سماكة .. لقد أفقدتني ابنتك كل شبابي و أضعفت بصري
- ما الذي تقوله
- لا شيء حبيبتي .. لقد كنت أداعب خالتي ليس إلا
- و لكنك كنت تتحدث عني ..
- أنا دائم الحديث عنك .. ألست حبيبتي و أم أولادي
أعشق النظر إلى هذين الزوجين .. أشعر بأن أفضل عمل فعلته في حياتي .. هو السماح لسمية بالزواج من محمود برغم كل الاعتراضات التي واجهتها من أعمامها .. فهو حقا رجل بكل ما تحمل الرجولة من معان .. و يحبها جدا ..

- أكملا عتابكما لاحقا .. فقد تعبت .. هل لك أن تساعديني لأعود إلى غرفتي ..
- بالطبع يا ست الحبايب و لكن أولا اشربي كوبا من العصير .. و أقراص دوائك

الدواء .. أتمنى لو أكف عن تناوله .. من قال بأني أحتاج لزيادة في عمري .. أعتقد بأني أنهيت رسالتي في الحياة .. لقد تزوجت كما رغب الجميع و أنجبت أربعة أطفال .. كل منهم الآن مستقر في منزله و حياته الخاصة .. على درجة من التعليم و قدرات لا بأس بها يخوضون فيها معترك الحياة ..

... " يوما ما ستكونين أما رائعة .. أستطيع منذ الآن أن أتخيل شكل أطفالك .. و كيف ستربينهم"

آه ... معظم خيالاته تحولت إلى واقع .. كلماته لم تكن يوما أفكارا في الهواء .. دائما كانت تحاكي الواقع أو ترسم المستقبل و كأنه رآه مسبقا .. ترى لماذا لم يكن هو والد أطفالي .. أكان هذا أكثر مما يمكن للقدر أن يعطيني
لا أنكر بأن زوجي الراحل و والد أطفالي شخص جيد .. احتواني و لم يقصر يوما في حقي .. ساعدني على تربية أطفالنا على الفضيلة و مخافة الرحمن و كان لا يتوانى في توفير كل ما نحتاج إليه .. كان رجلا بحق .. يحظى باحترام كل من حوله .. و بحبهم أيضا ..

ولكني لم أتمكن يوما من حبه .. لقد ظل خيال حبيبي يأسرني و يغمر أطياف حياتي .. حاولت طويلا أن أحبه .. أو على الأقل أن أنسى حبيبي .. و لكن هيهات .. لم أتمكن يوما من فعل هذا ..
و ليس معنى هذا أني كنت أقلل من قيمة زوجي .. بل على العكس لطالما حاولت أن أكون الزوجة الصالحة المتوانية في خدمته و خدمة أبنائها .. أعطيتهم من روحي و قوتي دون أن أحفل بنفسي .. إلا أن المشاعر لم تكن يوما بيدي ، الآن لا يجوز لي ذكره إلا بالخير وأن أطلب له الرحمة .. لقد كان مظلوما و كنت معه .. و القدر هو من ظلمنا.

يوم وفاته أحسست بأن ركنا مهما في حياتي قد انهار .. لقد ذهب زوجي و سندي .. الحائط المتين الذي كنت أعتمد عليه .. و القلب الحنون الذي كان يحتملني .. و السقف الذي يحميني .. و لكني مع ذلك أحسست بنوع من الراحة .. فقد حصدت حريتي من جديد .. و سأنام قريرة العين أخيرا دون أن أشعر بتأنيب ضميري على خيانتي الشعورية.
... ... ... ... ...
نهار آخر و يوم آخر .. و وجبة الأقراص اليومية هي أول ما أتناوله في الصباح .. تختلف الأقراص في أشكالها و ألوانها و أحجامها كما أهدافها .. و لكنها تجتمع على صفة واحدة .. جميعها مزعجة.
... إنها فترة الامتحانات النهائية .. الجميع منهكون و مشغولون بهذه الامتحانات .. و أنا لا يشغل بالي إلا أمر واحد .. كيف يمكنني قضاء الإجازة الصيفية دون أن أره ... اعتدت على وجوده في حياتي كل يوم .. و كم كنت أمقت عطلة نهاية الأسبوع و أسعى لاختلاق أعمال و واجبات و أسباب وهمية لنلتق خارج الجامعة في هذه العطل .. أما الآن فماذا ستكون حجتي يا ترى
..." ماذا تنوين أن تفعلي خلال العطلة " صوته قطع أفكاري و لكن سؤال نابع من أفكاري .. ترى كيف علم بماذا أفكر
- لا أعلم حتى الآن ليس هناك خطط في بالي .. ماذا عنك؟؟!
- أنا أفكر في السفر إلى الريف
- لماذا؟؟! لم أكن أعلم أنك من الريف
- لست كذلك و لكن لي بعض أقارب والدتي يسكنون الريف .. أحب الذهاب لزيارتهم .. و الاستمتاع بجمال الريف و هدوءه
- معك حق علينا أن نبتعد قليلا عن ضجة المدينة
- ما رأيك لو ترافقينني
سؤال مباغت .. صدمة فعلية .. ترى ما الذي يفكر فيه
- أتمنى هذا و لكن كيف و أين سأقيم ؟؟ ثم و هو الأهم من يستطيع إقناع والدي بأمر كهذا
- أليس لديك أي أقارب في الريف
- لدي و لكنهم يقطنون الشمال و ليس هناك علاقة قوية بيننا و بينهم
- للأسف .. لن يكون الريف جميلا .. كيف للجمال أن يكتمل دون إطلالتك
لم أتمكن من الإجابة .. تركت حمرة خدي تجيبه و حملت أغراضي و غادرت .. بمجرد عودتي إلى المنزل لاحظت أمورا غريبة تحدث .. و كأن لدينا وليمة أو ضيوفا مهمين .. ترى ما الموضوع
طبعا والدتي هي أول من استقبلني بعد قططي المدللة .. أقبلت علي بوجهها البشوش الذي بدأت التجاعيد تشن هجومها نحوه .. لتزفني نبأً أسعدها و أضاعني .. هناك من هو آت لخطبتي الليلة ..حاولت المعارضة بحجة الدراسة و طموحي .. فلم أجد منها إلا إهمال كل ما أقول و ردت باختصار

" العريس المتقدم لك فرصة لن تتكرر .. إنه يعمل منذ أعوام في الخليج .. و قد استطاع في فترة عمله أن يشتري بيتا هنا و مزرعة و لديه رصيد جيد في البنك .. و ينوي العودة للاستقرار في البلاد خلال عام و هي فترة أكثر من كافية لك لكي تنهي دراستك .. كما أنه شاب مثقف و متعلم و ذو أخلاق رفيعه و لا أظن بأنه سيقف في وجه طموحك .. و لا تنسي أنك فتاة .. في النهاية المطبخ و الأولاد سيكونان شغلك الشاغل "

ألقت علي هذه القنبلة و ذهبت تكمل التحضيرات اللازمة للزيارة المشئومة , جاولت جاهدة أن أتأقلم مع الفكرة .. على أمل ألا أعجبه أو أجد به عيبا يمنعني من الارتباط به .

" أمي أخبريني .. كيف تم الارتباط بينك و بين والدي" .. سؤال ابنتي هو ما أرجع إلى بالي هذه الصور
اليوم أتذكر أيضا كيف التقيت به للمرة الأولى .. كنت مطالبة بعمل بحث ضخم؛ كنت أقضي يومي بين المكتبة و الأوراق .. أبحث هنا و أقرأ هناك .. و أدون الملاحظات و أبحث عن أفكار .. كل هذا جعل تفكيرا مشوشا عن أي شيء إلا بحثي .. كنت أمشي و أجلس و أرافق أصدقائي و تفكيري كله محصور في الخطوة القادمة أو المضمون التالي لأحد فصول بحثي ..

يتبع

__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زيتونة فلسطين
جبهاوي نشيط


انثى عدد الرسائل : 149
العمر : 28
الدولة : فلسطين الحبيبة
Personalized field :
تاريخ التسجيل : 16/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصة بأجزاء   2008-01-05, 10:00

في نهاية كل أسبوع كنت أذهب إلى المكتبة لأقوم باستعارة بعض المراجع التي سأعمل عليها خلال العطلة .. و من ثم تقودني خطواتي عبر الأروقة و أنا أكاد لا أرى أمامي لكثرة ما أحمل من الكتب حتى تصل بي إلى الباب الرئيسي حيث ينتظرني سائق والدي .. عادة ما تخلو تلك الأروقة من الطلاب بعد الساعة الثانية ظهرا و بالتالي ما كنت أواجه صعوبات في الحركة .. لكن هذه المرة .. اصطدمت بأحد الطلاب الذي كان واقف و ظهره لي فلم يلحظ اقترابي .. سقطت أرضا و تناثرت من حولي الكتب و الأوراق و أغلب محتويات حقيبة يدي .. شعرت بالحمرة تصعد إلى وجنتي لأنني أوقعت الشاب أرضا
- "تبدين على عجلة من أمرك .. آسف إن كنت قد اعترضت طريقك " هذا ما قاله لي الشاب بينما كان يهم بمساعدتي و التقاط أشيائي المبعثرة
- " بل أنا من يجدر بها أن تعتذر .. فقد كنت أسير دون أن أنظر أمامي "
- "إذن لن أعتذر بشرط ألا تعتذري كذلك " .. و ابتسم
- " حسنا .. ربما .. نعم أظن ذلك أفضل " لا أدري لماذا تلعثمت هكذا .. و ازداد احمرار وجنتي
حتى لقاؤنا كان غريبا و ذو مفارقات .. كل شيء بيننا كان غريبا و مملوءا بالمفارقات .. رحلت يومها بعد أن شكرته على مساعدتي و لم أتذكر حتى أن أسأله عن اسمه .. طبعا انشغالي الكبير أنساني هذه الحادثة لفترة إلى أن انتهى بحثي و ذهبت إلى المكتبه أعيد ما تبقى لدي من كتب و مراجع

يومها وجدته في ذات المكان يقف و ظهره لي يبدو منهكا ببعض الحسابات على قصاصة ورق ذابلة .. اقتربت منه لأتأكد من شخصه محاولة ألا يراني .. رأيته و سحرت بابتسامته و هو يضع الورقة في جيبه و يتنفس الصعداء و تسمرت في مكاني أراقب ابتسامته و عيونه التي تنظر إلى الشمس بثقة دون أن يرف له جفن .. يبدو أني أخذت بابتسامته جدا لدرجة منعتني من ملاحظته و هو يلتفت إلي و يباغتني
- ها نحن نلتقي من جديد و في ذات المكان
- آه .. نعم .. مرحبا
- ماذا جرى لك لماذا كل هذا التلعثم
- آه لا شيء .. من يتلعثم
قهقه بنعومة و صوت منخفض و ابتسامة ساحرة أكثر ممن سبقتها
- لا أحد متلعثم كيف أنت
- الحمد لله بخير و أنت
- الحمد لله .. هلأ بدأتي تستعدين للامتحانات النهائية
- نعم تقريبا .. ماذا عنك
- ليس بعد .. أظن بأن أمامي متسعا من الوقت فلا زالت موادي الدراسيه بسيطه
- لماذا في أي سنة أنت
- في السنة الأولى ماذا عنك
- أنا في الثالثة
- مستحيل لقد ظننتك أصغر سنا مني
- هذه المرة لم تصدق توقعاتك ..
- معك حق .. حسنا علي الذهاب الآن أتريدين شيئا
- لا شكرا أنا ذاهبة أيضا إلى .. وداعا
- بل إلى اللقاء

انتهى حوارنا و التفت كل منا يكمل طريقه ثم تذكرت أني لم أعلم ما هو اسمه أو ماذا يدرس و لكن كبريائي منعني من الإلتفات و سؤاله فأكملت طريقي
الكبرياء .. لطالما كان سببا في ابتعادي عن الكثيرين و معرفتي بالقليل .. و قد يكون هذا الأمر مريحا أحيانا و لكنه ليس كذلك دوما

يكفيكي أحلاما .. هذه المرة أنا من أيقظت نفسي .. لقد بدأت أسرح كثيرا و طويلا و أعود إلى الماضي بسبب و بغير سبب .. تقريبا لم أعد أـعيش في الواقع أو في الحاضر أبدا .. الأمر الذي بد يقلق ابنتي جدا و لولا كلمات الطبيب التي طمأنتها لظنت بأني أعاني مرضا جديدا و لذبلت من شدة قلقها .. يا للمسكينة .. أظنها تعاني أمراضي أكثر مني و تتلوى في سريرها ليلا مخافة أن يحدث لي أمر ما إن غطت في النوم و لم تسمع ندائي.

نقرات خفيفة على بابي .. و صوت ابنتي الحبيبة .. " أمي هل أنت مستيقظة"
- نعم حبيبتي ادخلي
- مع من كنت تتحدثين ؟
- أنا .. إلا لا أحد لماذا
- لقد سمعت صوتك تكلمين أحدهم و لكني لم أفهم شيئا
- إنه خيالك يصور لك هذا الأمر .. مع من سأتحدث
- ربما ..
- ما الأمر .. أشعرا أن أمرا آخر يشغل تفكيرك .. هل من خطب
- في الحقيقة نعم لقد حدثني أخي نادر اليوم .. و هو يود ..
صمت و دموع و نظرات حزينة في عينيها .. و نار اشتعلت في قلبي لا أدري ما سببها
- ماذا يريد
- يريد أن تذهبي لتعيشي معه
- ماذا؟؟!! و منذ متى يهتم بهكذا أمر
- يقول بأنه أولى مني برعايتك و أنه يريد أن يهتم بك و يرعاك في منزله .. لكني لا أحتمل فكرة أن تغادري منزلي
و انكبت على صدري تبكي و تبكي حتى اختفى صوتها لشدة بكائها و أصبحت تشهق بطريقة مخيفة .. هدأتها و أخبرتها أني لا أريد الذهاب و أن عليها أن تطمئن فأنا لا أرتاح إلا في منزلها .. و بعد عدة محاولات هدأت و ارتاحت شكرتني و خرجت مسرعة لتخبر زوجها الذي كان يرفض رحيلي هو الآخر

رؤية ابنتي على هذه الحال أعادتني مباشرة إلى الماضي .. يوم وافق والدي على زواجي من زوجي الراحل ... و عج منزلنا بالضحك و المرح و الفرح أما أنا فقد انكببت على وسادتي أبكي و أبكي و أبكي .. يومها شعرت أن أبي قد قرر إعدامي دون محاكمة أو فرصة للدفاع عن نفسي ، والدي الذي لطالما اعتبرني طفلته المدللة و كان دوما يبحث عن سعادتي و سبل حمايتي لم يدرك أنه لأول مره كان يؤذيني أكثر مما يريحني .. و لأنه كان نقيبا في الجيش فلم يكن من الممكن مناقشة قراراته أو التمرد عليها ..و اضطررت للخضوع إلى الأمر الواقع

__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زيتونة فلسطين
جبهاوي نشيط


انثى عدد الرسائل : 149
العمر : 28
الدولة : فلسطين الحبيبة
Personalized field :
تاريخ التسجيل : 16/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: قصة بأجزاء   2008-01-05, 10:00

كم كنت ضعيفة الشخصية مسلوبة الإرادة آن ذاك .. لقد كنت جبانة أمام صوته المرتفع و سلطته التي ليس فوقها سلطة في منزلنا أو حياتنا .. رضيت بالأمر الواقع .. و وافقت على قتل حبي و هو لا يزال في مهده .. الحب الذي ظننت بأني أقتله و لكن للأسف حياتي مع زوجي و ذاك البرود الذي كان يحمله أعطى فرصة لذاك الحب أن يكبر إلا أنه بقي حبيسا بين جدران قلبي

لقد قررت ألا أذهب و لكن سؤالا دار في خلدي و لم يبارح تفكيري أبدا .. لماذا الآن ؟! ما الذي تغير ؟ّ لماذا بعد كل سنين المرض طلب أن يحتضنني اليوم ؟ّ!
هذا السؤال و تلك الحرب التي دارت بين قلبي و عقلي جعلتني أتنازل عن قراري و أقبل الذهاب لمنزل ابني للزيارة و ليس للإقامة و إلا لجن جنون سمية.

نهاية الأسبوع كان الموعد، أتى ابني و زوجته و أولاده لاصطحابي ، شيء ما في عيني ابني حيرني ، دمعة تقاوم لألا تقفز من عينيه و تبلل لحيته التي أراها تنمو للمرة الأولى بالرغم من سنه الذي لا يمكن وصفه بالصغير أو المتوسط حتى . آثرت الصمت و الانتظار .. ربما خلال زيارتي أفهم ما لم أفهمه منذ سنوات خلت ، منذ توفي زوجي الراحل و انقلب حال ابني إلى هذا الحد
وصولي إلى منزل ابني جعلني أصاب بالدوار .. أنا لم أزر المنزل منذ سنوات و لكني لم أتخيل و لو للحظة أن أره على هذه الصورة .. خاصة حين نقارنها بالصورة السابقة للمنزل .. إن من يدخل إلى المنزل يشعره و كأنه في منزل داعية إسلامي و هو أمر يعجبني طبعا و لكن من الطبيعي أن أصاب بالدوار لأن الأحداث تتسارع و أنا لا أفهم شيئا حتى اللحظة .

- خالتي ، هنا ستكون غرفتك أتمنى أن تكوني مرتاحة معنا
- أشكرك عزيزتي ....
- أعلم باستغرابك و لا ألومك .. و سأحكي لك بإذن الله كل شيء .. و لكن ليس الآن
- سأنتظر و لكن .. أرجوك لا تتأخري علي
أحمد الله أنها تطوعت لتخبرني فلم أكن أعلم الطريقة المناسبة لسؤالها ، المشوار الأحداث الغريبة جعلتني أصاب بالإنهاك، الإنهاك يعني الذكريات .. و الماضي .. و الألم

غالبني النعاس فنمت دون أن أشعر و عند الفجر استيقظت على صوت ضوضاء ، إن كل أهل المنزل يتحركون في الخارج و جدال حاد يدور بين ابني و زوجته
- أقول لك ادخلي و أيقظيها و إلا سأدخل لأيقظها بنفسي
- أرجوك انتظر للغد ، لا بد بأنها تعبه كما أننا يجب أن نخبرها مسبقا لا أن نوقظها فجأة أخشى أن تذعر الوقت لا زال مبكرا
- لن تصاب بالذعر و إن ذعرت اقرئي لها المعوذات فتهدأ
- و لكن ..
- بدون لكن هل ستدخلين أم أدخل أنا
- حاضر، سأدخل

نقرات خفيفة على الباب و من ثم يفتح لتطل منه زوجة ابني إلهام
- صباح الخير خالتي ، هل أنت مستيقظة
- نعم عزيزتي
- أرجو أن لا نكون قد أزعجناك
- لا أبدا لقد نمت مبكرا .. و لكن لماذا أنتم مستيقظون الشمس لم تشرق بعد
- لقد استيقظنا للصلاة
- ... ، الصدمة أفقدتني كل قدرة على الكلام
- هل آتي لك بالماء للوضوء أم تفضلين الذهاب إلى الحمام
- لا سأذهب بنفسي
- سأساعدك
- لا لا داعي لذلك
- كما تشائين
هذا الأمر و كل الأمور الأخرى ليسو بالأشياء السلبية .. و لكن أن تظهر فجأة دون سابق إنذار - و من ابني الذي لم يكن هناك ملهى ليلي واحد لا بعرف اسمه و رقم بطاقة اعتماده - هذا هو الأمر المقلق

لا زالت الأحداث تتسارع .. و أنا أراقب .. أفضل ما في الأمر أني لست حبيسة غرفة كما في السابق .. هشام – ابني – مصر أن أكون معهم في جميع جلساتهم على اختلاف أوقاتها، الأمر الذي جعلني أتنقل من غرفة المعيشة إلى غرفة الطعام و غرفة الضيوف، لقد تغير فعلا و بشكل كبير و يبدو أن تغييره ليش ظاهريا فقط بل جوهريا أيضا ، و أكبر دليل على ذلك العلاقة الطيبة التي تجمعه بكل أبنائه عدى ابنته سوسن.
سوسن في مرحلة المراهقة اعتادت أن تنال حرية كبيرة و أن لا تحاسب على أي من تصرفاتها و يبدو أن التحول في شخصية والدها سلبتها تلك الحرية و ذاك الانطلاق، ربما كانت سمية أقرب أحفادي إلا قلبي فهي حفيدتي الأولى و أكثر أحفادي شبها بي ، كما أنها تربت في منزلي حتى بلغت الرابعه و كانت أحيانا تناديني أمي بدل جدتي.

________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة بأجزاء
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: ღ ღ القســم الادبــي ღ ღ :: ..:: ملتقى القصص والروايات ::..-
انتقل الى: