التسجيلالرئيسيةدخول

شاطر | 
 

 استرايجيات الصراع في حروب غير متكافئة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المهند
جبهاوي مشارك


ذكر عدد الرسائل : 38
العمر : 55
الدولة : العراق
Personalized field :
تاريخ التسجيل : 13/10/2007

مُساهمةموضوع: استرايجيات الصراع في حروب غير متكافئة   2007-12-14, 06:53

استرايجيات الصراع في حروب غير متكافئة



لعل من أكثر تعاريف الحروب والصراعات المسلحة بساطة وشهرة ووضوحا، ً القول بأنها (حوار بين إرادات متصارعة)، ويعني ذلك أنه لابد من نوع من التكافؤ في موازين القوى العسكرية، فإذا لم يكن هناك وجود لمثل هذا التكافؤ، أو كان موجوداً في حدود يصعب قياسها أو مقارنتها، فإنه لن يكون هناك مجال للحوار بين هذه الإرادات، إذ تستطيع القوى المتفوقة فرض إرادتها على الأعمال القتالية، للوصول إلى أهداف الحرب (سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو جغرافية أو إيديولوجية فكرية عقائدية أو حتى حصيلة هذه العوامل مجتمعة). غير أن إلغاء الحوار لايعني توقف كل أشكال الصراع (المسلح وغير المسلح)، ويصبح على القوة المتفوقة هنا اللجوء إلى (استراتيجيات الحروب غير المتماثلة) عندما تختار القوى الضعيفة طريق الاستمرار في الصراع بأساليب دفاعية - غير متماثلة أيضاً - وبوسائط قتالية بسيطة، وبذلك، ومن خلال هذا الصراع غير المتكافيء تتشكل مميزات حروب الأزمنة الحديثة وخصائصها.


1-الحروب الحديثة وخصائصها


شكّلت حروب ما بعد عصر الحرب الباردة نموذجاً متطوراً من الحروب التي جرى تصنيفها تحت عنوان: (حروب الأزمنة الحديثة)، وقد جرت وقائع هذه الحروب في معظمها على تراب (الوطن العربي والعالم الإسلامي)؛ غير أن محاولة حشد الحروب الحديثة في موقع واحد ضمن الإطار الزمني (الحديث) لم تمكِّن من إلغاء الخصائص المميزة لكل حرب من هذه الحروب، رغم التشابه الكبير في الطبيعة الجغرافية لمسارح الأعمال القتالية، وغياب التوازن العسكري عن أفق القوى المتصارعة؛ فحرب الكويت (1991م) تتشابه مع الحرب في العراق (2003م)، سواء من حيث حجم القوى والوسائط القتالية، أو من حيث نتائج الحرب بين (جيوش تقليدية)، ولكن استمرار الحرب على تراب العراق قد نقل الحرب من حرب بين جيوش تقليدية إلى حرب جيوش وقوى غير تقليدية، وكان لذلك انعكاساته الطبيعية على أساليب الحرب وأسلحتها ووسائطها. كذلك فحرب الشيشان (1999م) قد تتشابه مع الحرب الأمريكية في أفغانستان (2001م - وحتى اليوم من العام 2007م) غير أنّ هذا التشابه أو التماثل لا يلغي أو يخفي عدم التماثل في (حرب طويلة الأمد) يمارس التفوق فيها دوراً محدوداً وغير حاسم في كل الأحوال. أما حرب الصرب (كوسوفو) 1999م، فكانت نموذجاً للحرب غير المتكافئة وغير المتماثلة بين جيوش تقليدية (نظامية). وقد يكون من غير الطبيعي تجاهل دروس الحرب الإسرائيلية الفلسطينية (منذ انتفاضة 28 أيلول - سبتمبر 2000م) حتى اليوم، وكذلك الحرب الإسرائيلية على لبنان في (تموز - يوليو 2006م). فما هي الخصائص أو الصفات المميزة لحروب الأزمنة الحديثة؟ وهل هناك ما يمكن تعلُّمه من هذه التجارب القتالية غير المتكافئة؟ ثم هل هي حروب متماثلة أم هي حروب غير متماثلة؟.
للإجابة عن هذه الأسئلة، لابد من التوقف عند ما يلي:


أولاً: إنها حروب عالمية على منطقة جغرافية محدودة:


جاء ت حرب الكويت (1991م) لتشكل النموذج الأمثل للحروب غير المتكافئة بين جيوش تمتلك مفاتيح التفوق (في القوى والوسائط القتالية، وفي مستويات التقانة، وفي وسائط إدارة الحرب، وفي امتلاك قدرة نارية غير محدودة وقدرة حركية عالية، وبخاصة في القوى الجوية والأسلحة الصاروخية)، مقابل جيش يمتلك بالتأكيد كفاءة قتالية عالية وقيادة توفر لها خبرة في إدارة الحرب وقيادة الفيالق والجيوش، ولكن هذا الجيش (العراقي) - وبعد حصار بري وبحري وجوي، وعزل سياسي وجغرافي - كان عاجزاً عن خوض حرب متكافئة، فكانت نتيجة الحرب محسومة مسبقاً، وكان ضيق الأفق الجغرافي في مسرح العمليات عاملاً حاسماً في وضع الجيش العراقي ضمن دائرة التطويق، وأصبحت هذه الحرب نموذجاً كاملاً وواضحاً لغياب (حوار الإرادات المتصارعة - عندما لاتتوافر ظروف التكافؤ للحوار)، ومعروف أن حرب تحرير الكويت كانت نقطة التحول في بداية الأزمنة الحديثة (أزمنة النظام العالمي).


ثانياً: إنها حروب غير متماثلة:


جاء ت سلسلة الحروب بعد عصر الحرب الباردة لتبرز نموذج (الحروب غير المتماثلة)، والتي تستند إلى عامل (القدرة النارية المتفوقة)، وكانت منها حرب روسيا في الشيشان (1999م)، وحرب الصرب أو تحرير كوسوفو (1999م)، وحرب إسرائيل في لبنان (تموز - يوليو 2006م)، ففي هذه الحروب - وخلافاً لما هو مفهوم - لم تشترك القوات البرية إلابقدر محدود جداً، وكان القصف الجوي والصاروخي، وتدمير الأهداف الحيوية في البلاد، وحرمان جيش الخصم من إبداء مقاومة حقيقية، أو القيام بأي تحرك عسكري على مسرح العمليات، والبحث عن الحماية في عمق الملاجيء، هو ما دفع الخصم - الذي يفتقر إلى (التكافؤ) - إلى البحث عن السلام، أو الاستسلام القهري - كما في (غروزني) - أو حتى إيقاف النار بوساطات دولية وإقليمية. وقد شكل هذا النموذج بدوره طبيعة الحروب غير المتكافئة والتي لم تسمح للطرف غير المتفوق أو غير المتطور بخوض حرب حقيقية.


ثالثاً : إنها حروب خاضعة للتوافق الأولي، أو متمردة على التوافق؛ ولكنها دائماً ذات علاقة وثيقة بالسياسات الأولية التي تحدد (هدف الحرب):


عندما أعلن الرئيس الأمريكي (جورج بوش) الحرب على (الإرهاب) في أعقاب أحداث (11 أيلول - سبتمبر 2001م)، وجعلها حرباً عالمية تمتد إلى كل بقاع الأرض، وغير محددة بموعد زمني؛ كان ذلك يعني حاجة أمريكا للتوافق الأولي، إذ من المؤكَّد أن القدرات الأمريكية - مهما تعاظمت - لا تستطيع الاضطلاع بأعباء مثل هذه الحرب. وأمكن للإدارة الأمريكية الحصول على مثل هذا التوافق، مستثمرة تعاطف الشعوب وقياداتها مع (الكارثة التي ضربت أمريكا)، غير أن هذا التوافق لم يكن مطلقاً، وإنما كان مقيداً بتحفظات كثيرة من جانب الدول الكبرى، وبخاصة روسيا والصين وأوروبا، وتم غزو (أفغانستان) تحت مظلة هذا التوافق، غير أن الموقف الأولي تطور في غير صالح المخططات الهجومية الأمريكية عندما أعلنت الإدارة الأمريكية الهدف الثاني للحرب ضد الإرهاب (وهو العراق)، إذا ظهر لروسيا بخاصة أن هذه الحرب ستخترق النطاق الدفاعي المتقدم الذي نظمته موسكو بجهد كبير ليضم محور (طهران - بغداد - دمشق)، فأظهرت معارضتها الشديدة للحرب على العراق، وحذرت من نتائجها، إذ كانت القيادة الروسية تريد لهذا المحور أن يسيطر على (المنطقة البترولية العربية)، وأن يضعف النفوذ الغربي (الأمريكي) لاسيما بعد أن نجحت أمريكا في إقامة قواعد لها في جمهوريات آسيا الوسطى، وكان محور (طهران - بغداد - دمشق) يضمن لروسيا تحقيق الحلم الروسي القديم بالوصول إلى المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي ومنطقة الخليج العربي، وتم التعبير عن هذا التحول بالايحاء إلى دول المحور الروسي بممارسة (دور إقليمي في المنطقة) بحيث تضطلع دول هذا المحور بأعباء (الحرب بالوكالة)، وبما يضمن عدم تعرض المصالح الروسية العليا لأي خطر جراء احتمال وقوع صدام مباشر بين أمريكا وروسيا.
وما من حاجة لاستحضار الشواهد على هذا التطور الاستراتيجي في الحروب المحدودة، ففي العام 2007م انتقل الدور الروسي إلى موقع الهجوم الشرس على السياسات الدولية (ذات الصفة الغربية - الأمريكية)، وكان من ظواهرها الموقف الروسي من (الدرع الصاروخي الأمريكي)، و(استغلال كوسوفو)، و(الملف النووي الإيراني)، و(تطوير القدرة الدفاعية السورية)، ودعم (فنزويلا) بالغواصات والأسلحة الصاروخية، وكذلك (قصة دارفور)؛ وبالتالي، فإن تدخل الدول الكبرى قد شكَّل مظلة للأوضاع المتفجرة في العالم، ورسم لها أبعاداً جديدة، قد تكون ذات صلة بحروب صراعات وحروب عصر الحرب الباردة؛ ولكن في إطار تطورات متجددة ومستحدثة.


رابعاً : إنها حروب تدميرية باهظة التكاليف:


من المعروف أن الطرف غير المكافيء - أو الطرف الأضعف - هو الذي يدفع ثمن الحرب، فمنذ أقدم العصور، يحصل المنتصر على المجد والفخار وأكاليل الغار، والويل للمهزوم؛ ولكن ثمن الحرب في الأزمنة الحديثة قد وصل إلى عتبة استخدام أسلحة الدمار الشامل، بفضل تقانة إدارة النيران والذخائر دقيقة التوجيه، والمقذوفات ذات القدرة التدميرية العالية؛ ففي سنوات الحرب على العراق، أكدت معظم الأبحاث والدراسات وضع تقويم واقعي وحقيقي لحجم الخسائر المادية - من تدمير للمتلكات والمرافق العامة والبنى التحتية والمباني السكنية والمنشآت العامة - أما الخسائر البشرية فقد تجاوزت حدود كل التوقعات، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد شهداء حرب العراق - من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ - تجاوز المليون، ومثل هذا العدد من الجرحى والمصابين بعاهات مستديمة، أما عدد النازحين فيتجاوز الثلاثة ملايين - وبإيجاز - أصبح الشعب العراقي مدمراً ومشرداً، وبالمقابل وصلت خسائر الأمريكيين إلى (3800) قتيل، وربما عدد أكبر من المصابين والمعوقين؛ أما الخسائر المادية فقدرت بحوالي (500) مليار دولار على الأقل. ولا ريب أن استخدام النهج الإسرائيلي من حيث (المبالغة في استخدام القوة) قد شكل عاملاً في ارتفاع عدد ضحايا الحرب على أرض العراق. وفي لعبة الحرب الإسرائيلية على أرض لبنان خلال (33) يوماً قُدّرت خسائر لبنان من قبل هيئة الأمم المتحدة بحوالي عشرة مليارات من الدولارات - على الأقل - فيما لم تتجاوز الخسائر الإسرائيلية - بحسب مزاعم الحكومة الإسرائيلية - مبلغ مليار دولار.


خامساً: إنها حروب الدول الكبرى في ملاعب الدول الصغرى:


تُعدُّ تلك الحروب بمثابة تجارب حروب في مدارس التطبيقات العسكرية التي تتم فيها دراسة الطبيعة الجغرافية لمسارح العمليات، والتكوين السكاني (الديموغرافي)، والتطور السياسي والاجتماعي والعلمي. ومما لاريب فيه أن الدول الكبري تمتلك قدراً من المعرفة العامة والكافية للتعامل مع قضايا الشعوب الأخرى، غير أن (الحرب الشاملة) تحتاج لمعرفة أكثر دقة، علاوة على ضرورات اختبار الأسلحة المتطورة على لهيب الحرب الحقيقية، وكذلك اختبار الاستراتيجيات السائدة ومتطلبات التطور للتعامل مع الحروب الحديثة، ولهذا لم يكن أمراً مباغتاً أن يكون حجم ما تم إصداره من الأبحاث والدراسات في المراكز الاستراتيجية والعسكرية في عواصم العالم الكبرى حجماً ضخماً، ففي مواضيع الحروب الحديثة: (الفلسطينية، والأفغانية، والعراقية، واللبنانية) خلال السنوات الماضية، تم إصدار ما يعادل أو يزيد على كل ما كان متوافراً من الأبحاث والدراسات في المدارس العسكرية؛ وبذلك تكون هذه الحروب قد مارست دورها في تطوير المعارف العسكرية والفكر العسكري.


2- استراتيجيات هجومية ودفاع تكتيكي


أظهرت تجارب الحروب الحديثة ما كان محجوباً أو مستتراً من النوايا والإرادات بخوض حروب ذات أهداف سياسية واقتصادية وعسكرية وعقائدية تتجاوز الحدود الجغرافية لمسارح العمليات، ولهذا برزت مجموعة (الاستراتيجيات الهجومية)، ومنها: الضربات الوقائية، والضربات النارية، والضربات التأديبية، لتغيير سلوك دولة من الدول ... إلخ؛ أما الجيوش والقوى المقاتلة المستهدفة من الحرب، فإن حرية عملها العسكري محددة بالقدرة على الدفاع في ظروف لا تستجيب حتى للمتطلبات الأساسية للدفاع المنظم. وعلى سبيل المثال، هل كان من الطبيعي شن حرب على الفلسطينيين طوال (7) سنوات من عمر الانتفاضة، والفلسطينيون في حالة الدفاع ولا يمتلكون أي سلاح فعال ضد المدرعات وضد الطائرات؟ وهل من الطبيعي ألاّ يملك لبنان قدرات دفاعية حقيقية ضد القوات الجوية الإسرائيلية، وضد المدرعات والقوى البرية؟ لقد سقط من الشعب الفلسطيني خلال سنوات الانتفاضة السبع (من 28 أيلول - سبتمبر 2000م) حوالي (4900) شهيد، و(70) ألف جريح، علاوة على مرور خُمس أفراد الشعب الفلسطيني على المعتقلات والسجون الإسرائيلية، فهل يمكن وضع استراتيجية دفاعية للحرب (المقاومة) في أفغانستان، والعراق، وفلسطين، ولبنان، ودارفور، والشيشان؟ أم أنها أساليب تعبوية (تكتيكية) في الحدود الدنيا من المقاومة؟.
إن قراءة تطورات هذه الحروب تؤكد انطلاقة (المقاومة)، أو (الحرب الدفاعية) من زاوية (ردود الفعل أو الاستجابة الغريزية في مواجهة تحديات مصيرية)، وقد كانت هذه التحديات ظواهر دينية ومذهبية وعرقية وقومية ووطنية، وحتى انتقامية وثأرية، وهذا ما يفسر وفرة عدد التنظيمات المقاتلة التي تعاقبت في الظهور في أفغانستان، والعراق، وفلسطين، والسودان، ولبنان، هذا إلى جانب تشكيل قوات مقاتلة في إطار جيوش، منها على سبيل المثال: (البشمركة في شمال العراق)، (جيش المهدي - الشيعي - في الجنوب)، وتنظيم (القاعدة في بلاد الرافدين)، ... إلخ، كذلك تنظيم (الجنجاويد في إقليم دارفور)، وتنظيم (حزب الله في لبنان).
وقد يكون من الصعب تصنيف هذه التنظيمات المقاتلة في إطار (تنظيم الجيوش)، وذلك تبعاً لواجباتها المحدودة، ولتسلحها البائس في كثير من الاحيان؛ ولكن، أليس ظهور هذه التنظيمات وتسلحها وقتالها هو البرهان الحاسم على دور الأطراف التي تقف وراء هذه الحروب غير المتكافئة، والتي لايمكن لها أبداً أن تصل مع خصومها إلى مرتبة (التكافؤ) الذي يسمح لها في الظروف الراهنة على الأقل أن تتعلق بأمل خوض أعمال قتالية حقيقية ولو في الحدود الدفاعية؟ وهل يمكن للأساليب التكتيكية (التعبوية) ذات الصفة الدفاعية انتزاع نصر حاسم من قوات تمتلك مفاتيح التفوق؟
مهما كان عليه الأمر، فلابد من التوقف عند قضية (المعركة في الحروب الحديثة) من خلال التجربة العراقية، باعتبار أنها التجربة الأكثر عنفاً والأشد قسوة والأكبر أهمية، والتي تبرز من خلالها الملامح الواضحة بين الاستراتيجيات الهجومية والاساليب التكتيكية (التعبوية). كانت هذه التجربة قد بدأت بتمهيد ناري كثيف شاركت فيه قوات بحرية وجوية، ثم بدأت عمليات اجتياح العراق من جانب القوات (الأنجلو - أمريكية)، انطلاقاً من قاعدة (الكويت)، وأمكن خلال ثلاثة أسابيع (29- أذار - مارس) حتى (10 نيسان - أبريل 2003م) تدمير مقاومة الجيش العراقي واحتلال بغداد. ويظهر استعراض الأعمال القتالية أن الجيش العراقي لم تكن تنقصه الكفاءة القتالية، ولم يكن يفتقر للقيادة المتفوقة، ولكن مصير الحرب كان مقرراً من قبل أن تنطلق الرصاصة الأولى، فبعد سنوات الحصار والتطويق للعراق (طوال اثني عشر عاماً)، وبعد حرمان الجيش العراقي من فرص التطور والتحديث في القوى والوسائط القتالية، لم يكن من المتوقع أبداً أن يصمد جيش العراق أكثر مما بذله من جهد كبير ومقاومة رائعة أكدت القدرة القتالية الدفاعية الرائعة التي كانت متوافرة للعراق. وكانت تجربة الحرب بكاملها هي التأكيد لحقيقة فضل الجيوش محدودة التطور عندما تخوض حرباً غير متكافئة (لا في حجم القوى والوسائط المستخدمة، ولا في نوع التقانة المتطورة، ولا في ظروف الحرب)، إذ لم يتمكن العراق مثلاً من استخدام قواته الجوية وقوات الدفاع الجوي بشكل فعال يحد من قدرة قوات الغزو على التحرك، مما أرغم القيادة العراقية على إبعاد قدراتها الجوية عن العراق ونقلها إلى إيران، وبذلك حصلت قوات الغزو على حرية العمل العسكري بصورة كاملة. غير أن هذه النتيجة في الحرب بين جيشين غير متكافئين لم تضع نهاية سعيدة للحرب، إذ بدأت أعمال المقاومة الدفاعية على الفور، فبعد قرار (حل الجيش العراقي القديم)، توافرت قدرة قتالية بشرية ذات كفاءة قتالية عالية، وهي تبحث عن فرصتها للعمل، والأمر الأكثر أهمية هو استفادة هذه القدرة من مخزون ضخم من الأسلحة المتنوعة والذخائر والمتفجرات والألغام، وبذلك بدأت (حرب المقاومة) بين جيش نظامي متفوق، وبين مجموعات قتالية مفككة تنقصها وحدة القيادة، والقدرة على تنفيذ مخطط دفاعي متكامل على الصعيد (الاستراتيجي).
ولعل من أبرز المفارقات المثيرة التي رافقت التحول من دفاع الجيش العراقي ضد قوات الغزو إلى دفاع (حرب المقاومة)، هي مفارقة تجاهل قيادة جيوش الغزو لوجود المستودعات العراقية الضخمة من كل أنواع الوسائط القتالية - رغم معرفتها بها - مما أثار آنذاك كثيراً من التساؤلات، فهل كانت قيادة الغزو تتوقع انتهاء الحرب مع استيلائها على بغداد؟ وهل كانت تستبعد احتمال ظهور مقاومات مسلحة عراقية - وغير عراقية - على تراب العراق الوطني؟ المهم في الأمر هو أن المقاومة بدأت بأعمال قتالية منظمة ومحدودة، كان معظمها في إطار الغارات والكمائن وأعمال القصف لمراكز قوى الاحتلال وقياداته، ثم أخذت هذه الأعمال بالتطور خلال سنتي 2003م و2004م لتشمل معظم أرجاء العراق، ولتتركز بصورة خاصة في وسط العراق أو (المثلث السني)، حيث كان الجنوب تحت حماية (الشيعة)، وكان الشمال الكردي متحالفاً مع قيادة الغزو، ولكن ذلك لم يحرم المقاومة من التحرك شمالاً وجنوباً للقيام بعمليات محدودة، وظهر خلال ذلك عجز الجيوش النظامية - أو ضعفها - في مواجهة ضربات المقاومة المباغتة والسريعة، مما سبب غياب الأمن عن أرض العراق وعن مواطني العراق رغم التدابير المضادة عسكرياً وأمنياً، والتي اعتمدت في جملة وسائلها على (منظمات المرتزقة) ذات الخبرة العالمية بالتعامل مع القضايا الأمنية الداخلية، وذات القدرات القتالية المتفوقة والتي تمتلك وسائط قتالية متنوعة وكافية لتنفيذ واجباتها.
لقد ارتكبت قوات الغزو خلال ذلك أخطاء كبيرة فرضتها تطورات الأعمال القتالية وغياب الأمن، وكان من أكثرها خطراً أعمال الاغتيالات لقادة العراق وعلمائه وزعمائه، ثم أعمال التعذيب التي افتضحت وأسُقط النقاب عنها، كما في (سجن أبو غريب - وغوانتانامو)، علاوة على انتهاك المحرمات، مثل: الإساء ة للنساء والأطفال، وضرب المساجد وتفجيرها. وظهر تحول بعد ذلك أكثر إثارة وهو توقف الأعمال القتالية من جانب المقاومة في مجال الإغارات والكمائن والهجمات الجبهية، والتوقف عند حدود أعمال الاغتيالات والتفجيرات والأفخاخ والأعمال الاستشهادية، ومعظمها أعمال فردية، مع استخدام تقانة متطورة ضد الطائرات والمدرعات، (أسلحة صاروخية حديثة)، أمكن لها تدمير أعداد كبيرة من مدرعات (همفري) ومن الطائرات العمودية، بالإضافة إلى أنواع حديثة ومتنوعة من الألغام والمتفجرات، ولكن ذلك اقترن أيضاً بظاهرة شكلت نقطة تحول حاسمة في مسيرة الصراع، وهي ظهور تشكيلات مقاتلة ومتنوعة للمقاومة، مثل: (القاعدة) و (الجيش الإسلامي العراقي)، علاوة على تعاظم دور دول الجوار: (سوريا وإيران) في إرسال المقاتلين والوسائط القتالية وأنواع الذخائر.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المهند
جبهاوي مشارك


ذكر عدد الرسائل : 38
العمر : 55
الدولة : العراق
Personalized field :
تاريخ التسجيل : 13/10/2007

مُساهمةموضوع: رد: استرايجيات الصراع في حروب غير متكافئة   2007-12-14, 06:54

3- هذه هي الحرب


إن قصة المعركة في الحروب الحديثة في نموذج (الحرب العراقية) هي قصة ما يقع في كل حرب من انحرافات مدمرة وجرائم خطيرة، فهل يمكن لمثل هذه الانحرافات والجرائم أن تشكل مدرسة يمكن التعلم فيها لتجنب الوقوع في شرورها وآثامها؟ أم أنها الحرب التي هي بطبيعتها مصدر كل الجرائم وينبوع كل الانحرافات؟ قد يكون من أسهل الأمور على الباحث في أمور الحرب عسكرياً أو سياسياً أو عالماً اجتماعياً أو خبيراً ذا علاقة وثيقة بمعرفة الحرب، أن يجلس إلى مكتب أنيق في غرفة مريحة ، بعيداً عن صخب الحرب وضوضائها ليستعرض شريط الأعمال القتالية وتطورها، ثم يصدر أحكامه التي من المتوقع لها في كثير من الأحيان أن تكون بعيدة عن الواقعية ومجافية للحقيقة، فسقوط قنبلة مدمرة على منزل تقطنه عائلة مسالمة لاعلاقة لها بالحرب، وقيام جندي بإطلاق نار عشوائي ليقتل عدداً من الأبرياء المدنيين في مناخ حرب يشارك فيها الطفل والمرأة والشاب والكهل، مما يجعل كل إنسان موضع شبهة، والخوف من المباغتة الذي يفرض بالضرورة الإسراع في القتل ضماناً للأمن الشخصي والذاتي، وتعرض الأسرى لنوع من الانتهاكات للأعراف والقوانين في مناخ الحقد والكراهية والعداء ... وغير ذلك من الانحرافات، هي من بعض ما هو ملازم لكل حرب، ولطالما اشتكى الجنود من تعرضهم للقتل أو حتى الإبادة الجماعية نتيجة أخطاء تعود لأسباب لا يمكن استبعادها دائماً، فوجود الإنسان في ديار الحرب يجعله بالتلازم عرضة لأخطار الحرب، فالعلاج الأول للحرب وانحرافاتها هو الابتعاد عن (سياسات الحروب)، ومعرفة طبيعة الحرب - وبخاصة - في عصر تقانة التسلح الحديثة وتطوراتها، وما اقترن بهذه التقانة من تطور في عمل القوات المتصارعة على أرض الحروب.
لقد ظهر من خلال استقراء الملامح العامة لنموذج (الحرب العراقية) أن هناك ثمة قواسم مشتركة لحروب الأزمنة الحديثة؛ حيث تمارس القوى غير المتكافئة استراتيجيات وأساليب أمكن لها تحقيق نتائج متشابهة ومتماثلة، منها:

أولاً: تحول الحروب إلى اقتتال عقيم واستنزاف متبادل مادياً ومعنوياًً، بحيث يضيع هدف الحرب في متاهات الاستنزاف،
ويبتعد النصر الحاسم عن ميادين الحروب؛ ذلك أن الاقتتال في الحروب غير المتكافئة، وغير المتماثلة أيضاً إنما يمثل اقتتالاً بين الهجوم والدفاع، بين ما هو أقوى ضد ما هو أضعف، بين طرف عدواني وطرف صاحب حق ومتمسك بحقه. ويضاف إلى ذلك عوامل غير منظورة لها ثقلها ولها أهميتها في هذا النوع من الحروب، منها: العوامل الدينية، والمذهبية، والوطنية، والقومية، والموروث الثقافي، والتكوين الاجتماعي. ومقابل ذلك تقف عوامل الاعتماد على القدرة المتفوقة، والموقع الأولي، وهدف الحرب، مما يجعل الطرف المتفوق عاجزاً عن قبول الهزيمة؛ ولهذا لم يكن عجباً أن تمتد حرب أفغانستان لأكثر من ست سنوات، والانتفاضة الفلسطينية لأكثر من سبع سنوات، وحرب العراق لأكثر من أربع سنوات، فيما لم تستمر الحروب العالمية الأولى والثانية لمثل هذه الاستطالة، (الحرب العالمية الأولى 1914م-1918م)، و (الثانية 1939م-1945م)، في حين استمرت ثورة الجزائر سبع سنوات (1954م-1961م)، والحربين الفييتناميتين الأولى ضد فرنسا، والثانية ضد أمريكا من سنة 1950م حتى 1975م. ونظراً لغياب الحسم عن هذه الحروب، يستطيع كل طرف أن يتخيل لنفسه مزاعم الحصول على النصر، فالنتائج هنا تحتسب بالنقاط في موازين الأرباح والخسائر وليس بالضربة القاضية.

ثانياً: صعوبة السيطرة على الأعمال القتالية عندما لا يتحقق شرط عزل مسرح العمليات لأسباب سياسية دولية أو قارية أو إقليمية؛ ففي فلسطين كما في لبنان ، وفي دارفور كما في أفغانستان، وفي العراق قبل كل شيء، تقف دول القرار الدولي (في مجلس الأمن) وراء كل هذه الحروب، ويحتفظ كل طرف بطريقته للعمل بحرية لاتضعه في موضع الإدانة من الأطراف الأخرى، ولا تتجاوز (الخطوط الحمراء) في العلاقات المتبادلة؛ ولهذا تحولت هذه المناطق إلى (براميل متفجرة، أو إلى غابات من الأسلحة)، والمثال الأكثر وضوحاً هو (العراق)، فدول الجوار (سوريا وإيران)، والتي تعمل تحت حماية المظلة (الروسية - الصينية)، يمكن لها تقديم ما هو ضروري لاستمرار الصراع وتطويره، وقد أكدت هذه الدول حقيقة دورها في مراتٍ كثيرة عندما أعلنت استعدادها لإيقاف العنف والاقتتال في العراق إذا حصلت من أمريكا على دور إقليمي، وإذا تم الاتفاق مع أمريكا عبر المفاوضات - على سياسة استراتيجية مشتركة. ولقد زاد عدد مؤتمرات دول الجوار لمعالجة حرب العراق إلى أكثر من عشرة مؤتمرات، بالإضافة إلى الاتصالات الثنائية أو متعددة الأطراف، ولكن التدخل لم يتوقف؛ واستمر تدفق المقاتلين والأسلحة والذخائر والدعم المادي أيضاً، وهذا مما سمح باستطالة أمد الحرب، وزيادة حجم الاستنزاف المادي والمعنوي لأطراف الحرب.

ثالثاً: صعوبة تصنيف الحروب الحديثة في قوائم أنواع الحروب المعروفة ، نظراً لما تميزت به هذه الحروب من المستجدات، ذلك أن هذه الحروب الحديثة قد أخذت القواسم المشتركة التي تتصل بكل أنواع الحروب، فهي حروب عالمية، وهي حروب إقليمية، وهي حروب هجومية (عدوانية)، وحروب دفاعية متطورة، وهي حروب عادلة، وحروب ظالمة من حيث موقع التعامل معها، وهي حروب طويلة الأمد، وحروب غير حاسمة، وحروب جيوش نظامية، وحروب قوى ثورية (مقاومة)، ولذلك فأفضل تصنيف لها هو: (حروب الأرمنة الحديثة)، أو (الحروب غير المتكافئة)، وهي حروب تدفع الشعوب ثمنها على أمل تحقيق بعض المكاسب (المادية أو المعنوية)، غير أن الربح الحقيقي يتوجه إلى خزائن (صانعي قرارات الحرب ومستثمريها)، وهذا ما يدفع أيضاً إلى تصنيف هذه الحروب تحت اسم: (الحروب بالوكالة)، والتي تتحكم فيها وبالدرجة الأولى قضايا التسلُّح.

رابعاً: تعاظم دور (تنظيمات المرتزقة) و (المتطوعين) في هذه الحروب، وقد تضمن البحث إشارات إلى هذه التنظيمات ودورها في (الحروب الحديثة)، وهي تنظيمات ذات انتماءات إقليمية ودولية متنوعة اضطلعت - بخاصة في حرب العراق - بأعمال كثيرة ومتنوعة، وربما من أكثرها شهرة التنظيم الأمريكي الذي حمل اسم (المياه السوداء - بلاك ووتر)، والذي تم كشف كثير من جوانبه عبر مناقشات الكونغرس الأمريكي لأعمال هذا التنظيم وانحرافاته (يوم 2 تشرين الأول - أكتوبر 2007م)، حيث تبين أن عدد أفراد هذا التنظيم هو في حدود المائة ألف مقاتل، وأن واجبه الأول هو الحراسة، وأعمال الأمن، وبخاصة للدبلوماسيين والقادة الأمريكيين، وبذلك فإن قوته تعادل ثلث حجم الجيش الأمريكي في العراق - تقريباً - وأن الفرد في هذا التنظيم يتعاطى ستة أضعاف الراتب المخصص للجندي الأمريكي.
وكانت حكومة (نوري المالكي) في العراق قد أثارت قضية هذا التنظيم (يوم 18 أيلول - سبتمبر 2007م) عندما قام أحد أفراد التنظيم بقتل (11) مدنياً عراقيا،ً مما دفع وزير الداخليه العراقي إلى اتخاذ قرار بإيقاف ترخيص (شركة بلاك ووتر) عن العمل، وعلى أثر ذلك أصدرت الحكومة العراقية بياناً أعلنت فيه أنها ستراجع وضع كل شركات الأمن الأجنبية، غير أن السفارة الأمريكية في بغداد أعلنت عن حاجتها للحماية، وتدخل الرئيس الأمريكي (جورج بوش) ، فأعلن (يوم 21 أيلول - سبتمبر) رفضه للانتقادات الموجهة إلى (بلاك ووتر)، وفي اليوم الثاني أضيفت إلى التهم الموجهة إلى هذا التنظيم تهمة تهريب الأسلحة، وتم تشكيل لجنة عراقية - أمريكية مشتركة للتعامل مع هذه القضية، وكان باستطاعة الشركة الدفاع عن نفسها ضد تهمة تهريب الأسلحة، وضد جرائم قتل المدنيين الأبرياء من أبناء العراق، وشكلت هذه القضية نقطة تحول في إعادة تنظيم القوى لحروب المستقبل، بحيث تبقى أعمال هذه التنظيمات خاضعة (للمسؤولية)، وتحت السيطرة العسكرية.


4- الحرب والبحث عن السلام


يبقى الدرس الأكثر أهمية، والذي يمكن استخلاصه من دروس الحروب غير المتكافئة - وبصورة خاصة منها دروس الحرب على ساحتي العراق ولبنان - وهو ضرورة البحث عن السلام بعد أن أكدت هذه الحروب حقيقة عُقمها في تحقيق الأهداف، والفشل في إقامة علاقات لبناء المستقبل من خلال الصراعات المسلحة، فإثارة قضية (فضائح سجن أبو غريب) منذ العام 4002م، وقضية الكشف عن (فضائح منظمة بلاك ووتر)، إنما كانت وسيلة لإعلان رفض الحرب ونتائجها، ففي مناقشة (الكونغرس الأمريكي) جرى التأكيد (يوم 2 تشرين الأول - أكتوبر 2007م) "بأن منظمة (بلاك ووتر) متورطة في مئتي حادث إطلاق نار في العراق منذ سنة 2005م، و أن (بلاك ووتر) تمادت في ممارساتها ويجب محاسبتها"، ويعني ذلك بإيجاز أن نار الحرب قد أظهرت غياب المحاسبة، وضياع المسؤولية فيما يقع من انحرافات على مسارات الحرب، ومن المحتمل جداً أن تكون (شركات تنظيم المقاتلين المرتزقة) المنافسة لشركة (بلاك ووتر)، ومن المحتمل أيضاً أن تكون المنافسات الحزبية بين الديمقراطيين والجمهوريين قد مارست دورها في إبراز انحرافات (الحروب المحدودة) على كل جبهات القتال، وليس من المستبعد أيضاً أن يكون الجيش الأمريكي ذاته قد مارس دوراً ضمنياً في كشف هذه الانحرافات التي أساءت إلى دوره وخلقت له المتاعب، بحيث إنه حُمِّل أوزار وجرائم هذه الانحرافات التي لا علاقة له بقراراتها وأعمالها.
وشكلت هذه الظواهر بمجموعها المدخل للتعامل مع حقيقتين:
أولاهما: ضرورة التعامل مع الحرب من خلال البحث عن السلام، وهو الأمر الذي لايمكن تحقيقه إلا من خلال عمل سياسي واستخباراتي مسبق للحصول على ما هو مطلوب لضمان النجاح في حروب غير متكافئة.
وثانيتهما: إعادة تنظيم القوات المسلحة لضمان القدرة على خوض حروب فوق تراب أوطان متباعدة، وذات مكونات مختلفة جيواستراتيجيًا، وديموغرافيا، وثقافياً، واقتصادياً ... إلخ؛ وامتلاك المعرفة للتعامل مع كل المواقف.
ففي مجال البحث عن السلام يمكن التوقف عند ظواهر التحولات التي برزت على هذا الاتجاه، من تطور مثير في (الملف النووي الكوري)، وفي تكثيف الجهود بين الكوريتين على طريق بناء المستقبل عبر التنمية الاقتصادية من (أسلحة الدمار الشامل)، وعلى الجبهة العربية تظهر جهود دولية كثيفة لإيقاف شلال الدم الذي أغرق العراق، كذلك ما يتم الإعلان عنه من جهد على جبهه الصراع العربي الإسرائيلي، وهذا ما شكل الحافز الأقوى لعقد المؤتمر الدولي للسلام في الولايات المتحدة الأمريكية في تشرين الثاني نوفمبر 2007م بحسب ما تم إعلانه. والأمر مماثل في البحث عن السلام في السودان (دارفور) بعد أن استطال أمد حروب السودان لأكثر من ربع قرن، غير أن جهود (البحث عن السلام) لا تعني أبداً استبعاد خيارات (الحروب غيرالمتكافئة)، ومجموعة (الحروب الحديثة)، والتي يمكن التوقف عند بعض دروسها، مثل:


أولاً: خوض الحروب في إطار أحلاف سياسية استراتيجية:


تتضح أهمية هذا الدرس فيما استفادته روسيا - بخاصة - من نجاح مخططاتها لامتلاك اوراق ضغط سياسية - عسكرية، ألقت بثقلها في كفة القوى التي يمكن الاستفادة منها لاستنزاف القدرات الأمريكية، وهذا ما عبرت عنه مقولات قادة هذه القوى من حيث عجز أمريكا عن خوض حرب جديدة بعد تجربة العراق، وهذا أيضاً ما برز من خلال تحديات قادة هذه القوى عبر (التهديد بسياسة الحروب)، والإعلان بصورة متواترة عن إنتاج أسلحة صاروخية مثلما أعلنته إيران يوم 22 أيلول - سبتمبر 2007م عن امتلاك صاروخ (قدر) ومداه (1800) كيلومتر. وكذلك إعلان طهران يوم 2-10-2007م عن نصب شبكة لرصد كل التحركات الأمريكية المشبوهة في منطقة الخليج. إن ذلك يُعد إعلاناً عن تطور الدعم الروسي للقوى المعادية لأمريكا، إذ من المحال تطوير القدرات النووية والأسلحة الاستراتيجية بقدرات ذاتية، كما أن محطة الرصد الإيرانية قد لا تكون أكثر من مركز اتصال للارتباط بالقاعدة الروسية في (أذربيجان) المتاخمة للحدود الإيرانية، والتي يمكن لها إمداد القيادة الإيرانية بالمعلومات الضرورية لرصد التحركات الأمريكية. وبالتالي فإن حروب القوى غير المتكافئة ستستمر في إطار التوافق، وذلك إما في إطار التحالفات (كنموذج حرب تحرير الكويت 1991م)، أو بتحييد القوى المناوئة وإبعادها عن الصراع (محور روسيا - بكين)، أو (منظمة شنغهاي)، وهذا مما يسمح بإحكام الحصار على مسرح العمليات الذي تم اختياره هدفاً لحرب محدودة جديدة. وقد أصبح معروفاً أن (الحرب على الإرهاب) المفتوحة في الإطارين الزمني والمكاني قد شكلت قاعدة مشتركة للأعمال القتالية في سياسات كل الدول الكبرى (في روسيا كما في أمريكا).


ثانياًًًً: إعادة تنظيم القوات المسلحة وزيادة حجمها وتشكيلاتها القتالية:


ظهر من خلال لهب (الحروب المحدودة) أن متطلبات هذه الحروب أكبر مما كان متوقعاً (من القوى الوسائط القتالية)، وهي أكثر حاجة لقوى (النخبة أو القوات المختارة)، وهناك ثمة شواهد تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الكبرى أيضاً، تعمل على اتجاهين: الاتجاه الأول: هو زيادة أعداد (المتطوعين والمحترفين العالميين في صفوف القوات المسلحة)، والاتجاه الثاني: هو تطوير قوات النخبة أو القوات المختارة - كقوات التدخل السريع، وقوات المغاوير، الرينجرز هذا بالإضافة إلى تطوير تنظيمات الاستخبارات (سي - أي - ايه) و (اف - بي - أي الاتحادية)، وذلك لتحقيق مجموعة من الأهداف، منها: دعم مركزية القيادة والسيطرة مقابل الحد من الاعتماد على الوكالات أو الشركات الأمنية (مثل بلاك ووتر)؛ وزيادة القدرة الحركية والقدرة النارية لقوات التدخل السريع، مع زيادة حجم تنظيماتها لإعطاء قدر كبير من المرونة وحرية العمل على مسارح العمليات ذات الأبعاد الجغرافية الواسعة (مثل العراق وأفغانستان). ومعروف أن تنظيم (قوات التدخلُّ السريع) قد ظهر لأول مرة في مصر (سنة 1977م) ثم تطورت مناوراته السنوية (النجم الساطع) من البحر الأحمر حتى منطقة الخليج، وجاءت تجارب الحروب المحدودة لتبرهن على دور (قوات النخبة - أو القوات ذات الكفاءة القتالية العالية) في مواجهة صعوبات الحروب المحدودة.
ويبقى السؤال المطروح هو: هل تستطيع مثل هذه الإجراءات والتدابير أن تضمن لأي من أطراف (الحروب غير المتكافئة) الوصول إلى النصر الحاسم؟
لقد أظهرت مسيرة الأعمال القتالية على الجبهات المتباعدة للحروب المحدودة أن استجابات (أعمال المقاومة) قد استفادت من وجود ثغرات في سياسة الحروب، وفي إدارة الحروب، وأمكن لها تطوير قدراتها وتسلحها وأساليبها القتالية في حدود ما هو متوافر من الدعم المحلي والخارجي، وبالتالي فإنه من غير المتوقع أيضاً أن تتمكن (التحالفات غير المقدسة) ضد الشعوب (ولو تحت أعلام مكافحة الإرهاب) من منع ظهور مقاومات قد تتناسب في حجمها وتدربها واستجابتها مع ما تتعرض له من تحديات وما تجابهه من أخطار.
وإذا كان البحث عن السلام قد أصبح وسيلة من جملة وسائل السياسات الاستراتيجية الدولية، فإن هذا السلام هو ضرورة وحاجة للشعوب التي تستهدفها الحروب. وعلى الأرض المشتركة للسلام يمكن بناء المستقبل الأفضل البعيد عن التدمير والإبادة

مراجع البحث :
1- Learning from Iraq Counter Insurgency In Ameriean Strategies (Steven Metz) s.s.i (U.S.Army-war College) January-2007- 122-forbes ave. carlile,pa 17013-5244 u.s.a.
2- The Iraq WarLearning From the past. adapting to the present, and planning for-the future (Thomas. R. Mockaitis)s.s.i.u.s army war colleege (February 2007).
3- Negotiation in the new strategic environment lessons from Iraq (david m. tressler) s.s.i (August. 2007).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زيتونة فلسطين
جبهاوي نشيط


انثى عدد الرسائل : 149
العمر : 28
الدولة : فلسطين الحبيبة
Personalized field :
تاريخ التسجيل : 16/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: استرايجيات الصراع في حروب غير متكافئة   2007-12-27, 18:40

إلى الأمام تقدموا
يا شعلة حمراء في ليل بهيم
يا شموسا يا رفاقا للحكيم


بفكركم
بحزبكم

أنتم طليعة شعبكم


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
استرايجيات الصراع في حروب غير متكافئة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: ღ ღ القســم الفلسطينــي ღ ღ :: ..:: الملتقى العسكري ::..-
انتقل الى: